هل كانت صفاء سببا في انفصال المهندس صابر في عمله عن مديرها محمود؟
قررت أن تبحث عن بعض الأجوبة..
م.أ/محمود :
- نعم، المهندس صابر فضل ألا يخاطر و هدد بانسحابه.. (وبسط راحتيه معبرا عن انعدام الحيلة) و انسحب فعلا..
- و لكن يا محمود إن المهندس صابر منذ تسع سنوات....
(يقاطعها محمود):
- أعلم، إن هذا عمل، ولا وجود للعواطف هنا.
صحيح أن صفاء لا تحب صابر كشخص و تدري أنه يستصغرها لكنها تثق بعمله و لا تتصور أن ينفذ مهندس مدني غيره خرائطها المعمارية.. و منذ أن أتت إلى مكتب محمود قبل أكثر من ثلاث سنوات وهي تتعامل معه. أثار كل هذا فيها الريبة و الحيرة و الشك، و الإحساس بالذنب في ذات الوقت.. و كأن محمود وضع صابر على كفة و وضعها على كفة و رجح كفتها.. و قد خسر المكتب مهندس لامع من وراء أفكارها التحررية!
- سيدي أنا آسفة و لكن برغم كامل رغبتي في تنفيذ هذه الفكرة .. أليس من الأفضل لو كنت عرفت قبلا بهذا الأمر؟ لا أعتقد أنني أستطيع المضي قدما بعد معرفتي بما حدث.. ثم من هم شركة سعدون هؤلاء؟! لم أسمع عنهم قبل الآن!!
- أما انك غريبة حقا يا صفاء يا صغيرتي! لقد كنت مصممة على إقناعنا بفكرتك و ها نحن بصدد تنفيذها، ما الذي يهمك إذا ما نفذها صابر أو غيره؟ إنك إن أردت بلوغ هدف معماري سام.. فلا تدعي عواطفك تقودك و لا تدعي أي شيء يقف في طريقك.. أما الآن فأنصحك بالانتباه إلى عملك.. نحن على وشك تنفيذ هذا القصر الذي قمتي انت بتصميمه و تلك الحدائق المتسلقة! لا أريد التحدث في أي شيء غير العمل.. يكفي ما مررنا به من عقبات.
صفاء شعرت بشيء من الخوف من حديث محمود الأخير.. مشوشة واهنة و مرتبكة حد الارتباك.. لكن ليس لها إلا أن تكمل عملها.. قصر سوبا لا بد أن يقف شامخا عما قريب.
..أصوات خلاطات الخرسانة و دولاب الرافعات.. مثل الموسيقى الجميلة على الآذان، سمفونيات تربينا عليها منذ أول تدريب لنا في السنة الثانية.. صفاء تعبت جدا لتسمع هذه الموسيقى بادئة لا تكف حتى النهاية.
* * *
ولكن توقفت الموسيقى يوما بسبب تلك الحادثة.. صفاء عادت إلى نقطة الألم، هذا الهيكل اللعين الذي تحطم في صبيحة اليوم.. وجهت جميع غضبها و إحباطها صوب شركة سعدون الجديدة هذه التي ندمت أنها لم تحقق عنها.. و فكرت أنهم السبب.
حينما وصلت المكتب كان كأنما قامت ثورة فيه قبل لحظات.. د. معتز وهو محمر الوجه و غاضب جدا جدا.. الكثير من البشر متجمعون أمام المكتب يرسمون سيناريوهات للذي حدث..
كيف لمحمود أن يتحمل كل هذا وحده؟ إنها فكرتها منذ البداية و عليها تحمل المسؤولية.. إذن هي المذنبة..
بعدما تمكنت أخيرا من الدخول إلى محمود.. كانت واقفة أمامه كطفل كسر زجاج الجيران للتو بالخطأ.. منكسة الرأس محبطة وموجهة نظرها إلى الأرضية الرخامية. هل هو موقف صمت أم كلام؟ الآن هي لا تدري أي شيء حتى نفسها صارت غريبة عنها.. الآن تشعر أنها...... لا شيء.
صرفها محمود في الحين و أجل الحديث إلى وقت لاحق ليرى حلا لهذه المصيبة.
صفاء لم تستطع أن تربع أطرافها و تكتفي بالمراقبة كما أمرها محمود، إنها مؤمنة أنها مذنبة وعلى المذنب أن يتحمل وزر أخطاءه..
بعد يومين حين طلبت من عمر معتز -والذي كان قد اختفى في ظروف غامضة- أن يقابلها على عجل.. تهرب منها ثم بعد عدة محاولات إصرارية منها فجر فيها حديثا موجعا مما جعل مكانته تهتز في قلبها.. عمر صب جام غضبه على المسكينة صفاء و قرر أن يقطع أي صلة بها. الآن عرفت صفاء أنها وحيدة و أنها فعلا كما قال لها محمود يوما يجب أن تتحكم بعواطفها و لا تدخلها مع العمل.. -يبدو أن عمر لم يتعلم هذا على أية حال!- ''كان الأمر من بدايته غلطة!'' همست لنفسها وهي تنظر لاسم عمر على هاتفها للمرة الأخيرة.
كما نقول بالعامية كانت صفاء ''لافة صينية'' في الأيام الطويلة التي تلت الحادثة المشئومة، لا تدري ما تفعل و كانت ترى أشخاصا يشبهون المحامين يترددون على مكتب محمود مما زاد ارتباكها و قلقها.. ثم أنها سمعت من مروى السكرتيرة عن مواعيد ضبطت لمحاكم!!!
كان عليها أن تتابع الإشراف على أعمال البناء التي لم تتضرر بالحادثة.. إنها ليست نهاية العالم يجب على العمل أن يستمر! هكذا قال محمود.. كان عليها أن ترى آثار الحادثة و كل ذلك الألم يوميا، الذي لن يفارقها شعور انها من تسبب به.
في عصر يوم أحد، وبعد مضي جميع الموظفين تقريبا دعا محمود صفاء إلى مكتبه .. - صفاء رأت إحسان في طريقها إلى مكتب محمود (مهندسة المساحات الخضراء هل تذكرونها؟) كانت مرتبكة غريبة الهندام و أسرعت صوب الباب ما إن رأت صفاء!!
صفاء جلست برهبة.
بنصف ابتسامة و دون أن ينبس بشفة مرر محمود ورقة إلى صفاء..
حملتها صفاء بيديها المرتجفتين و منظر إحسان لا يفارقها.. قرأتها ببطء كطفل يتعلم الهجاء.. غير مصدقة..
تلك كانت ورقة فصل صفاء من الشركة.
حطت دمعتين على تلك الورقة، قررت صفاء ألا تظهرهما لمحمود.. لأنها قوية، أو كانت قوية.. و لم تعود أحدا أن يراها منكسرة و مهزومة.
الكثير من الأسئلة وجدت لها صفاء الإجابة بتلك الورقة : تصرفات محمود، تحمله الكامل للكارثة لوحده دون إشراك صفاء في أي تفصيل، اجتماعاته الطارئة جدا، الكثيرة جدا و الطويلة جدا مع أناس غريبين جدا! جيش المحامين و موظفي الحكومة الغادين و الرائحين من دون توقف!
و لكن بذات الوقت، خلقت الورقة أسئلة جديدة بذهن صفاء..
صفاء فقدت آخر أمل لها، و لم تدر إذا ما كانت هي من خذلت العمارة -التي تحب أكثر من أي شيء- أم العمارة التي خذلتها.
محمود لم يتفوه إلا ببعض الجمل غير المؤثرة و غير المعزية أبدا إلى صفاء، آثرت صفاء على عدم سماع البقية و استئذنت مديرها -السابق- و انصرفت.
حين حطت بقدميها خارج مكتب محمود استشعرت هول المصيبة أكثر، لم يعد هذا بيتها الثاني، لم تعد هي المعمارية الجامحة الواعدة.. شعرت أنها نقطة سوداء لطخت نقاء العمارة.. و ذات النقطة السوداء صارت تلطخ سيرتها الذاتية. إنها حتما نهاية العالم.
أما ما حدث لبيت د. معتز، فقد تدارك محمود المشكلة، تمت إعادة الهيكلة بسرعة و فكرت صفاء أنه غالبا تم إلغاء هياكل حدائقها المتسلقة!
تم تعويض د. معتز مما أثر على محمود و شركته و طاقمه.
لكنها حتى الآن لم تتصور قط أن يكون فصلها حلا للمشكلة، إذن هل يحاول محمود أن يعلمها درسا كما العادة؟ ولكن كان الدرس قاسيا جدا هذه المرة يا محمود!
* * *
بعد مرور الكثير من الوقت.. كانت صفاء قد تجاوزت المحنة بشكل ضئيل، ما تزال تشبه الحاد على عزيز! كان كل ما يهمها أن هل يسير تصميمها وفق الشيء المطلوب؟ لننس أمر الحدائق الغبية، إن بيت د. معتز من أجمل التصاميم التي قامت بها شركة محمود أبدا، إنه تصميم فريد من نوعه يقارب كثيرا إلى تلك التصاميم الرائعة التي نراها في مواقع الانترنت المتقدمة أمثال آرك دايلي و غيره.
لكن صفاء مع الأسف لن تتمكن من الاطمئنان على تصميمها.. إنها لن تستطيع حتى المرور أمام الموقع من بعيد بعد طرد محمود لها و كره معتز و ابنه لها. ثم إن أصغر عامل في ذاك الموقع يعرفها جيدا..
بعد ثلاثة أشهر قررت صفاء أن تخرج من ذلك الدور.. دور الطبيب المتفاني الذي طرد من عمله و ما زال يتابع مع مرضاه.. و بدأت بالتقديم لمكاتب هندسية أخرى.. و لكنها لم تتوفق و لم تدر بسبب قلة الفرص المتوفرة أم بسبب قصتها التي صارت سابقة لها أينما ذهبت!
هل يمكن أن تنتهي حياة المعماري بسبب خطأ و إن عظم؟
هل يمكن أن تنتهي حياة الانسان بسبب خطأ؟ وما العمارة إلا تجسيد الإنسانية الحقة؟
ما زالت تحتفظ برسوماتها الأولية عن هذا البيت الذي كان كل حياتها في تلك الفترة.. كانت تنظر إليها كمن يمعن النظر في صور فقيد.
* * *
تلقت صفاء مكالمة قادمة من رقم قلما يتصل بها.. م.أ/محمود.............
صفاء لم تكره محمود بتاتا، كانت واثقة أنه ما فصلها إلا لمصلحة العمل و المكتب، فكرت في كل هذا قبل أن ترد، بعد أن ردت علمت أنه يدعوها لزيارته في مكتبه بصورة عاجلة.
!!
يقولون بعد أن يضمن المرء يبدأ بالتفرعن :
''عاجلة''؟ فكرت صفاء. أين كانت هذه العجلة طيلة المدة الفائتة؟ أين كانت هذه العجلة حين طردها من مكتبه.. الآن يريدها على عجل؟ هل شعر بعظم الفقد الآن؟
ولم يأخذ صفاء إلى مكتب محمود إلا الفضول..
حينما وصلت كانت تقف واجمة أمام مبنى المكتب كأنك تقف أمام مدرسة كنت قد درست بها في احدى مراحلك، أو أمام بيت كنت تقطنه يوما و يحمل الذكريات..
كانت شركة محمود لصفاء البيت و المدرسة و الذكريات.
استقبلها الموظفون بالترحيب و بعبارات الشوق الباردة و الزائفة.
- اجلسي ارجوكي عزيزتي صفاء.
''ما زال يدعوها بعزيزتي... هه يا للترف!''
- نعم سيدي ما هو الأمر الذي دعوتني لأجله على عجل؟
- صفاء انت تدرين أني لا أحب المقدمات..
- أدري.
- فأنا أريد عودتك إلى مكتبي..
صفاء ما بين غير مصدقة و سعيدة و غاضبة و واوهنة نفسيا من كثر ما حلمت بهذه اللحظة.. و لكن ما تفوهت به كان شيئا آخر :
- سيدي أنا آسفة، لن.... (يقاطعها محمود)
- توقعت أن ترفضي مع أني أرى الفرحة في عينيك.. بسبب كرامتك أليس كذلك؟ و لكن دعيني أشرح لك ما كان يجب أن تعرفيه منذ وقت طويل.. بعد أن وقعت الحادثة في منزل د. معتز و قمت بالتحقيق وجدت أن سبب تحطم الهيكل لم يكن من المدنيين أو خطأ في حساباتهم، أو خطأ من الرسومات المعمارية أو تفاصيلها.. و ليس خطأ في تقرير فحص التربة..
- إذن عفوا مم كان؟
- كان خطأ في حساب الكميات BOQ
- حساب كميات الهيكل الخرساني؟
- نعم حساب كميات الهيكل الخرساني و الذي قمتي انت به، هل تذكرين أنك قمتي بأي خطأ أو توقفت عند أي شيء؟
- أذكر أنه كان طويلا و معقدا بعض الشيء و لكنه تمت مراجعته من قبلك ولم يكن من خطأ يذكر..
- حساب الكميات ليست كالرسومات، لا يفهمها كلية إلا واضعها، ثمة بعض الأخطاء التي اذا لم ينتبه لها حاسب الكميات مستحيل أن يتنبه لها رئيسه أو أيا كان!
- نعم أعرف هذا النوع من الأخطاء.. لقد وقعت به قبلا لكني تداركته..
- يبدو أنك لم تتداركيه هذه المرة
- أنا غير مصدقة!
- لم آت بك الآن لأوجع قلبك أكثر.. إن هذا الخطأ كان يمكن أن يحدث لأي منا
صفاء صامتة و ما زالت غير مصدقة.
- حتما انت تتسائلين الآن لماذا قمت بفصلك إذن؟
- بالطبع سيدي..
- هل تدرين عقوبة حساب الكميات الخاطئة؟
- ليس تماما..
- السجن!
- هل تعني أنني كنت سوف أحبس؟
- هذا ما كان ليحدث، لولا أنني قمت بفصلك لحمايتك، و تحملت المسؤولية و دفعت غرامة مالية كبيرة.. و قمنا بفصل كل من له يد في هذا حتى نحميه من العقوبة الظالمة، بعقوبة أهون منها..
(الآن تذكرت صفاء مهندسة المساحات الخضراء إحسان!)
- هذا كل شي.
إذن محمود فعلا قد أنقذها من سجل إجرامي و محاكم و ... حبس؟ هل كانت لتتخيل؟ لم تدر هل تفرح أم تحزن.. لقد تسببت في الكثير من الضرر.
قطع محمود أفكارها :
- أما الآن فانت تتسائلين لم أريد عودتك إلى مكتبي، انظري يا صفاء، إن الخطأ الذي اقترفته جسيم ولا شك و تستحقين العقاب عليه، و قد عوقبت بالفصل لستة أشهر..
- عفوا سيدي، كيف يرضى المجلس أن يتم تحويل عقوبة السجن إلى الفصل فقط؟
- الفصل و عدم ممارسة المهنة لمدة ٦ أشهر..
- أتعني أنه كان محرم علي ممارسة العمارة طيلة الستة أشهر؟
- نعم.
- ما زلت غير مقتنعة، لا تتساوى الكفتان!
- لقد قمت بمساومة صغيرة اضطررت لها و كانت بأخف الأضرار الممكنة، فلا بأس.. لا زالت بهم حتى رضخوا لمطلبي.
- لن أستطيع الكف عن شكرك سيدي.
- لا أريد شكرك، أنا متأكد انك لن تقعي في خطأ كهذا مرة أخرى.. إذا عوقب كل معماري على خطأ للأبد فلن يتبق معماري على هذه الأرض. هل تدرين أن كلا من لوكوربوزييه و ميزفانديروه وقعا في أخطاء جسيمة كانا إذا ما وقفا عليها فلا بد أننا لم نكن لنسمع عنهما أو نستفيد من علمهما، أليس كذلك؟
على المعماري أن يثق بقدراته و أن يتطلع دائما إلى الجديد و لكن عليه ألا يقحم نفسه وألا يكلفها فوق طاقتها حتى لا يقع في الخطأ. أما انت فقد أتيت بفكرة مختلفة و آمنت أنه يمكن أن تنفذ على أرض واقعنا و هذا أول ما أعجبني بفكرتك، و كان علينا ألا نخمد حماسنا الذي اتقد مبكرا بوجود أي عقبة. و هاهي اليوم مرورا بكل شي نفذت بنجاح و سوف نذهب لزيارة الموقع اليوم سويا! :)
- هل تعني أنك نفذت فكرتي فعلا؟ الحدائق المعلقة؟
- بالتأكيد!
صفاء كانت في قمة فرحها.. شعرت أنها ستعود تلك المعمارية الشغوفة.. هي فعلا غدت معمارية ذهبية بعد تنفيذ تصميمها ثم الفكرة الجديدة.. والآن بعد كل الذي فعله محمود لأجلها أعاد لها الثقة المفقودة.
كان لدى صفاء سؤال أخير :
- هل هو صابر ؟
- لا لم يكن صابر المهندس المدني بالطبع، هه و كأن صابرا تنبأ بوقوع كارثة بانسحابه! لم يكن صابر و لكنه عاد للعمل معنا في مشاريع أقل خطرا.. هههه!! إنهم سعدون الهندسية وما زلنا نتعامل معه أحيانا. و الآن أليس لديك شخص آخر لتسألي عنه؟
- شخص آخر؟
- نعم! ؛) -وابتسامة خبيثة-
- انت بالتأكيد تقصد عمر معتز..
- هو بعينه، إنه ينتظرك في معمله بأعلى الشجرة الصناعية التي شيدتها انت لأجله!
- لا، أنا غاضبة عليه.. سوف لن..... (يقاطعها)
- سامحيه، كان جزءا من الخطة.
- لا أصدق أنك أقحمته في خططك حتى! لا أصدق أنك فعلت بي هذا، ألم.............................. (..............)
و انفتحت صفاء و بدأت بالصراخ و أخرجت كل ما مرت به في أشهرها التي خلت... و كان محمود يضحك ملء فيه.
محمود حقا معماري كامل لا مثيل له.
صفاء تعلمت الدرس و فكرت أن كل شيء يهون في سبيل تحقيق المراد من عمارة غير اعتيادية! و رددا معا :
''على المعماري أن يفعل ما يجب على المعماري فعله