المشاركات الشائعة

10/12/2012

حتى طيفه ما عاد يزورها



"حتى طيفه ما عاد يزورها" قصة من مجموعة "شبح الإنتظار"
_______________________





تتنهد تنهدة رقيقة و تهمس في مسامع الأثير بصوت ضعيف لا يميزه عن التنهد غير رنات الكلمات ، كأنها تناجي سكان السماء :
''لم تأخر كل هذا؟''
و تفكر أنها أعدت كل شيء كما يحب.. أنارت المسارج العتيقة، و أوقدت المباخر فملأت الأرجاء بروائح المر و اللبان..
حضرت الشاي الأخضر، الذي يحب، و الورق و القلم الأخضر أيضا- الذي ضاع غطائه فاستعارت له غطاءً آخر كيلا يجف.. فأصبح كالخرقة المرقعة!
تتربع القرفصاء على كنب الصالة و هي تنتظره كل ليلة قرب المنضدة الخشبية التي اعتاد الجلوس إليها، و اعتاد كتابة الأشعار و القصائد الجميلة غير المقفاة..... كما تحبها أمل..
أمل ابنة الجيران التي كان يتطلع من نافذته -وهو جالس بذات المنضدة- إلى نافذتها المقابلة..
تتصافح عيونهما بالنظرات المثقلة بالدموع و تحمل في ثناياها كثيرا من البوح الصامت...

و البسمات الصادقة

''فإن لم يكن لأجلي، فعُد لأمل.''

تبرح مكانها صوب النافذة، و تبصر شباك ‏'أمل' مظلما مسدلا ستائر الخذلان... على قلبها! ‏

إنها تسكن قبرا قبل أن يجيء موعد الرحيل! هكذا تفكر، ميتة على قيد الحياة. فما أقسى حياة الإنتظار؟

حين يأتي الصبح، و تستيقظ الشمس التي تستنكر عليها استيقاظها و كأن شيئا لم يكن!  ولكنها تتمنى أن يكون صبح لقياه.
و تتذكر مرض الكبر الذي يفتك بها، و تظهر على شفتيها خيال ابتسامة هي بقية الحياة في جسدها اللطيف.. فلطالما قال لها مداعبا ‏: ‏
''حسدتدك عرائس الجان لذلك نفثن فيك العلل، يا أماه''

تنزل إلى الشارع.. تبحث.. و لا تدري عم تبحث...
''عم تسأل؟''
تصادف بعض الجيران، تفطن وجوههم المتسائلة وهم يختلسون من الشفقة نظرات إليها.
تحادث أحدهم : ترى كيف هي أمل؟
(......)
''لم لا يرد عليها أحد''........

 ''هل.....؟''

تجزع سيدة و تقف أمامها : من هي أمل التي لا تنفكين السؤال عنها؟
.......
....
حينها شعرت بشعور غريب أيقظته خرائب الزمان، و مثل الضرير الذي عاد إلى عينيه النور فصار يرى و يتأمل، تذكرت أنه..
لم تكن ابنه جار تدعى أمل !

و لم يكن....... هو

تلاشت آخر أشعة من نفسها المودعة..
الآن فقط تذكرت..
تذكرت نبأً زُفَّ لها قبل أكثر من عشرين ربيعا..
نبأ موت الجنين برحمها.

''آه كيف تمر الأجيال بأقدامها الخفية تسحق أجمل ما نملك؟'' :(

10/10/2012

الموت في القلب



الساعة الحمقاء تنتصب بعرض الحائط..
لا تنفك تدق و تدق..
و تجيء بالليل رامية بأطياف النهار القانط
يهرول العمر من ورق الحائط

و البوح الصامت
.........

كنت على أعتاب الشباب لحظة الفرار..
تركتَ الشوق يعبث بقلبي..
فتعال، فإني قد مللت الإنتظار

هأنا أرصد الإحتمالات الكثيرة..
و غدا يحلو لي مع ذاتي الحوار !

أيها القلب مت، فإنه قد أصيب بفقدان الذاكرة..    
تعارك مع أحدهم فسقط مغشيا..     
أيها القلب سر، قبل أن تفوت القاطرة    

 ربما تغرب إلى بلد قصي و تركني كالحائرة    
أو ربما صادفه حب قديم.. فحن القلب   
و مزقا دفاتر الذاكرة    

و لربما -أيها القلب المسكين- مات     
فدع التوهم أن حبيبك آت..   
فالموت يخبرنا أن أحيائنا غدوا أرواحا خائرة   
..    
و ذكريات عابرة..
     

9/06/2012

Shut up, mind.

في عز انهماكها في العمل غدت تلحظ وجوده قليلا, ترفع يديها عن الحاسب الالكتروني الذي تكرهه, و تضع القلم بين شفتيها مستغرقة في التفكير.. تفكر به اكثر من اي شيء اخر.. و تحدثه اقل من اي "شيء" آخر
..علما بأنها كانت ثرثارة يوما ما!
لن يصدق احد اصدقائها القدامى اذا علموا انها شوهدت صامتة! هه. ترى هل دري بماضيها الثرثار؟

يأخذها التفكير كما يسهو عليها انه هنا بالفعل و تنسى ان تستكين لوجوده الذي يحتويها.. تستمع اليه و هو "يطق حنك" مع زميلاتها بالعمل, فتشيح بوجهها إثر شيء قاله.. أو لم يقله! و تعيد النظر إزاءه بعد ان تتأكد انه ما عاد ينظر اليها فترى بقايا نظرة.. فتزداد امتعاضا..
و تفكر إلى متى..؟

الحقيقة.. ربما تسهو عن اشياء أخرى شتى, مثل تقربه منها كل حين و حين.. انها تفكر في حفل الليلة الماضية الذي لم يلاحظ احد ثوبها الباهظ.. هل لاحظ هو؟ فلا يهمها احد بطبيعة الحال.. و تفكر في الاسبوع الماضي و هو يدعوها الى زفاف اخته الذي لم تلبه للا سبب! و تفكر في الايام القادمات و السنوات التاليات... معه! و الكثير من الهراء غير المهم

لا تعرف كيف تتصرف بوجوده و تعاند غير معترفة له بأبسط الاشياء.. كل صباح يلقي عليها تحية باردة فترد ببرود يفوق بروده كأنهما يتسابقان الى ذلك سبيلا!.. من اين تأتي بهذا الطيش؟ ربما قد مر الكثير على آخر حب.



مشكلتها انها تفكر كثيرا.. مشكلتهما انها يفكران كثيرا


كانت مجنونة يوما ما! ما ابشع ان يصير المرء عاقلا!


يتقدم ناحية مكتبها بثبات.. و كأن هناك قوى غير مرئية تسانده! يبدأ بالتبسم منذ منتصف الطريق الى طاولتها..

تراه عبر الزجاج فيثلج شيء ما بداخلها و تلعن التكييف القارس!..

.

.

- مرحبا..

تبتسم لا اراديا و هي تنتقي ردا من عبارات التحايا الكثيييرة و تتناسى كل الاشياء المتضخمة التي كانت تجول برأسها للتو, فأسعد لحظاتها هي الآن.. لطالما نسيت ان تستمتع بحياتها








8/23/2012

فلسفة حياة


ثلاث رسائل من الحياة

الرسالة الثالثة - نيسان 2013
_____________________
أختي العزيزة عايدة
أكتب إليك الآن من مكان مختلف من الحياة، أكتب إليك و كلي أمل أن تسعدي بما أكتب..
أذكرك بالذي كنت عليه؟ انت تذكريه جيدا، ليس ثمة من متعة في تلك الذكريات المتهالكة، إن الذين يعيشون حياتهم وسط السطحي و الميعاد الذي لن يأتي و لا يصنعونه، يفوتهم أن ما يمر بهم على مهل أو عجل إنما هو عمرهم الضائع بين يدي أرواحهم المشمئزة و مصائرهم المكتوبة في دفاتر خطتها أيامهم المفرطة في الكآبة الغارقة في الهوامش.
إنهم يقاسون ضغط عواطفهم التي لن تنفجر، يفضلون وحدتهم و يحبون الصمت، يضللون القلوب عن ملاقيها و العيون عن بصائرها و الثرثرة بما ليس له علاقة بالعاطفة التي لن يفهموها و إن مكثوا ثلاثة أمثال أعمارهم.
قلت يفضلون الوحدة، يفضلون الشقاء، يكتفون بالقطرات الساقطة من الأسطح الصدئة ساعة المطر، يكتفون بالشحيح الأليم الغريب كل الغرابة عن الجمال و الذي قد لا تصدقين أن يرضه أحد!
عزيزتي، ما الذي أعنيه من هذا الذي أكتب؟ إني قد لا أعلمه لأني لست بمكان منه و لكني أعرف انك تفهمين و أعرف أنني لست منهم.. لدرجة أني بدأت أصدق أني ما كنت يوما منهم.

صار قلبي يسير إلى الفرح من ذاته، و خير ما يفعله أنه يحوم حول الغبطة.. الغبطة التي كنت أغبط الفرحين عليها دون أن أتمناها لنفسي.
*_*

آه ما الذي كنت عليه؟ إني سحبت ذاكرتي إلى الوراء قليلا كي أفرغ حيزا لذكريات جديدة و قادمة.. لملمت قديمها بابتساماتها الموئودة الحزينة، و بنشواتها المنطفئة! توهج كل شيء الآن! إني لا أدري كيف حدث هذا و كيف يحدث؟ كيف تشع النفس المشوهة بالحب، و تضيء فيها مسارج الأمل الراقد و المعلق بعد أن كانت ملطخة بوحل من اللاأشياء الممتلئة الفارغة؟
أقول لك، تماما كما تزهر النبتة من بين الأشواك و يخرج الثمر من غصن دام به العقم.. انظري إلى الليل النائم على جنبات أسرتنا.. هل تصدق دوار الشمس أن الشمس ستشرق عليهن بدفئها أبدا؟ هل انت تصدقين؟
إني أدري أن وجنتيك الدقيقتين تنضحان بالدماء الآن، هل تسري بك هذه النشوة اللذيذة التي تداعب كل الكيان الصغير؟ هل شعرت بكذا إنتشاء رقيق من قبل؟ هل امتلئت عيناك الجميلتان المزروعتان في وجهك الأسمر بالدموع؟ ..هل؟
:')

إني كما هذا الفتى الذي يعمل تحت حفنة من 'المعلمين' الذين يصيحون به فلا يستجيب لهم ثم يزعقون و يسبون، و هذا الفتى متسمر في قمة انتشاءه بعقل غائب مع فتاته التي أبصرها فانتعشت الذاكرة القصيرة...
تهب نسمة رطبة في يومه القائظ الحرارة تماما كالتي تمر بي.. و لكن من دون فتى و قصة حب على أبواب الورش.. فقط من أجل الفرح نفسه.

إن الذي يريد لحياته أن تحلو فإنه قادر و إن كان غارقا لأرنبته في المصائب! إن الفرح لا يطرق أبوابنا.............. نحن من نصنعه.

هل أفرطت في الإفضاء لك؟ هل تعلمين أن هذا كان لا شيء؟
:P

أختك التي تحبك
ريان خليل جبران



 


الرسالة الثانية - أغسطس 2012
______________

أختي العزيزة عايدة،

أتذكرين حين كنت أظن أن الحياة ثابتة؟
و إنما تتبدل القلوب و الأقنعة؟
و أن الذكرى لا تعيد غير أشباح الأجسام، فتؤلمنا؟
و أن للفرح أمكنة يزورها و أخرى لا يطأها؟
حين كنت أتعلم الحياة من أشعار المعري..
مع أنه كان يجعل مني جسدا تتدفق عواطفه في الأحشاء كما يتدفق الدم من الكلوم البليغة!

لهذا كنت أبغض الحياة، و لهذا كنت تصمتين.
إليك هذا، فقد تصدقت بكتب أبي العلاء على مفرطي الفرح!


تعلمت أن النفس المرة قد تستيقظ بها العواطف الحلوة مثلما تنبت الأزهار بجانب الأشواك..
و أن الظلم لا يفني المرء إذا كان بجانب الحق..
و السجن لا يسجن غير الجسد، أما النفس فقد تغدو حرة بين الطلول و المروج!
فقرأت أن أحد العظماء رجم فارحا!
و أن سقراطا شرب السم باسما!

و أن القلوب التي يحيط بها غشاء سميك قد يستحيل إلى برقع للأماني.
أذكر مقولتك ''القلوب لا تموت، إنما يموت الضمير الخفي الذي لا نعرفه ثم نخالفه فيوجعنا!''
و رسالتك المؤلمة التي احتوت : ''...أخشى أن تقضي ربيع عمرك متشائمة''
فهأنذي و قد لامست كلماتك -و قليل مما علمتنيه الحياة- الحواس و الأطراف... كما تلامس النسمات اللطيفة وجه النيل الهاديء. :)

و تذكرين حين أرسلت لك ببرقية مستعجلة : أني قرأت بكتاب ربي : (إن مع العسر يسرا)..
و كم كان ردك حكيما : يقول رب العزة : (لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).








الرسالة الأولى - كانون الأول\ديسمبر 2011

 
أختي العزيزة "عايدة",
لا أجد كلمات تصف ما انا فيه, فجميع اللغات الانسانية لا تستطيع ان تضع اسما لآلاف النقائض و المفاجآت التي أمرّ بها.. يجتمع فيها الخوف و الفرح و الشوق و النفور و الاحسان و الانقباض.. و .. الحياة و الموت!
عزيزتي, غدت نفسي لا تقوى على ان تريد..
بتُّ أشكك في سحر القمر!
تختل اسابيع السنة في نظري
و أرى الصيف يأتي في الشتاء..
عذراً.. فقد ألغيت كل الأزمنة!
ربما هي الأماكن الفارغة في قلبي.. صرختْ بها أشياء حد الصراخ! و لكني الآن و عندما أحني رأسي لا اسمع شيئاً.. قد وصلت حدود كل الأشياء!
تعبتُ من البحث عن تلك الأرض.. تلك الأرض التي لا أسمع عنها الا في الكتب.. بها شمس الحب تعانق وجه الحرية! أحس بكذب هذه الجملة حين أقرأ كتابتي لها.. أصدقيني فلا وجود لهكذا أرض! و لكني.. و ماذا سأفعل.. سأسافر في العمر و معي عينيك و بعض موسيقى الحماسة!
سأحلم و أغامر و اعيش .. نعم سأعيش و ان بارتياب و اكتئاب..
سألقي التحايا و أنثر طريقاً بالأزهار.. و أغطي فجواتي بصمغ التصنع..
بمعنى الكلمة.. سأتظـــاهر كما يفعلون!
كما يفعل جميع الساكنين الباحثين عن أرض الأمل.
مضحك ان بعضهم ظن انه وجدها! ابعثي لهم برسائل اختي, اخبريهم انه ما من وجود لها..
حسناً.. سأتحايل على عقد الحياة الشائكة.. سآتيها من حيث لا تحتسب.. و لكن أختاه! مللت فعل ذلك كل حياتي الماضية, صعبة هي الحياة و انما نحن فقط نتظاهر انها "حُلوة"!
ألازلت ترينني مزيجاً من الخجل و الامتناع؟ و أهزأ بكل ما لدي من تمثيلية الحياة؟
أرجوك لا اريد ردا على رسائلي اذا كان محتواها شيءٌ من "تحتاجين لحظة حياة و لحظة جنون و الكثير من النسيان و الخروج عن القواعد و المعاني المبتذلة" !
و ربي ليست بمبتذلة.. ما ادراك انت.. فالمتفرجون قد لا يشعرون بدواخل الممثلين!
 
أحيانا أرغب أن استوطن أصغر تفاصيل أحد, لأستمتع بمدى التشابه بيننا! فجميعنا ضعفاء و بسطاء و قادرون أيضاً! نبكي و نندفع أحيانا و نفكر كثيراً..
و اليك هذا السر ايضا اختي.. أحيانا تغدو لي فكرة ان يسكن أحد اصغر تفاصيلي ..مرعبة! و قد أجن من مراقبته غير الاعتيادية لحياتي. ..فقط و أقف عند ذاك الحد و لا أفكر بعدها بشيء.
 
ان اتيت بسيرة الحب فلن أرد كما فعلت بسابقاتك من الرسائل!
أرفض ان اتظاهر و لكن.. ماذا أفعل كي أعيش؟ لا لا .. لست أعدك بشيء ! !
أذكر رسالتك التي اخبرتني فيها بقصة الغريب الذي لم يدرِ انه احب فتاة الا بعد ان زارها عذرائيل! و كم بكيت حين علمت انه لم يتلقَّ برقيتك "كن سباقاً لها قبل عذرائيل!" كم ضحكت و كم بكيت يا اختي..
ألم اخبرك ان برقيات السماء قلما تصل ضعاف القلوب؟
ملحوظة: أرعبتني كثيراً حين ارسلت اخر مرة "الرغبة نصف الحياة, و عدم الاكتراث نصف الموت!" يا ترى من كنت تقصدين؟ عموما فقد اجفلت و لم أكلم بشرا يومها!
و أخيراً عزيزتي.. انشدك "ماذا افعل في كنوز الارض يا كنزي الوحيد" كما اعتدت J
و آسفة على كل تلك التناقضات .. آه كم تأخذ مآخذها مني!
أختك التي تحبك.

*********************************


 

8/04/2012

الحب.. فالعمى فالضلال

 ((وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي المَدِينَةِ اِمْرَأَةُ العَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)) يوسف -٣٠-

كلنا يدري قصة امرأة عزيز مصر مع سيدنا يوسف عليه السلام، فالنسوة قيل هن خمسة : امرأة حاجب الملك و امرأة الدواب و امرأة الخباز و امرأة الساقي و امرأة صاحب السجن. و قيل كذلك هن من اشراف مصر.
لن اتطرق لذكر مفردات القصة فلست هنا لذلك الموضع، و لكن استوقفتني هذه العبارة طويلا : ((قد شغفها حبا)).

بحثت فلم أجد ذكر لما يسمى 'الحب' المعهود بين رجل و امرأة غير هذا الموضع في القرآن الكريم، رأيت المودة و الرحمة و رأيت الحسنى و رأيت و قرأت.. و لكن ليس ثمة ذكر لهذا النوع من الحب و بهذا اللفظ إلا هنا..
و يقفز سؤال في رأسي.. لماذا؟ لماذا هنا بالذات ذكر الحب بهذا المعنى و بتلك الطريقة..
لماذا استبق الحب بالشغف؟ و ما الذي يعنيه الشغف؟ و لماذا وصف ما شعرت به امرأة العزيز و تملك وجدانها بأنه حب ثم تلته فكرة الخطيئة.. هل الحب نجس يودي بالتفكير للخطيئة؟ هل هو حرام؟ هل هو نوع من الخيانة و الشرك؟
لأجد أجوبة لتلك الاسئلة لنبحث عن معاني المفردات..
جاء في تفسير البغوي : شغفها حبا أي علقها حبا
و قال الكلبي : أي حجب حبه قلبها حتى لا تعقل سواه.
و قيل : أحبته حتى دخل حبه شغاف قلبها : أي داخل قلبها.
قال السدي : الشغاف جلدة رقيقة على القلب، يقول دخل الحب الجلد حتى أصاب القلب.
و قيل كذلك : ذهب بها الحب كل مذهب.
إذن الحب حالة تصيب القلب فلا يوعى بعده لا قلب و لا عقل، فهل هو بالشيء المحمود؟
قرأت أيضا الشغف في اللغة من عمى البصيرة، و أقول عمى البصيرة يودي إلى الهلاك.
فإذن لماذا بالله عليكم تم تصوير الحب بهذه البشاعة في كتاب الله العزيز.. الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. ؟
أدري أنكم جميعا تدرون ما الحب و ربما مررتم أو قرأتم أو سمعتم عن هذا الحب كالذي استحوذ على امرأة عزيز مصر و أخذ منها جميع المآخذ.. لدرجة انها فكرت في الخطيئة! الخيانة! خيانة زوجها العزيز و هل كانت بعقل في تلك الأحوال؟ كيف سولت لها نفسها فعلا كهذا و تضحية و خيانة كتلك من أجل هذا المعبود المسمى الحب؟!
إذن فنحن متفقون أن هذا الحب 'الأعمى' قد حملها على أن تفكر بالفعل الشنيع، و لم تقف عند التفكير و إنما راودت فتاها عن نفسه! أي جرأة و أي عمى و أي شيء هو هذا؟!

سيأتيني أحدكم و يقول : لااااا ليس كل الحب كحب امرأة العزيز.. بعض الحب عفيف.. بعض الحب طاهر.. أقول له : أرجوك اذن أجبني على كل اسألتي تلك؟


حينما تقرأ قوله أو تسمع تلاوة شيخ للآية :((تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا)) تمعنوا بين كلمتي نفسه و قد شغفها.. لا وقف لا صلي ولا قلي ولا نفس.. استمرار من غير انقطاع.. استمرار في اللفظ يتبعه استمرار في المعنى، ما أقوى تلك العبارة و ما أعجز القرآن!

((إنا لنراها في ضلال مبين))..
آآه ! تلك العبارة قاربت ان تجعلني اهيم على وجهي من خوفي!
طيب، ما وصف به الضلال المبين للقاريء العابر هو إقدام امرأة العزيز على ذلك الفعل.. مممم فقط؟ إذن لماذا جيء بذكر مشاعر امرأة العزيز اذا كان الموصوف هو الفعل فقط.. هل يفكر أحدكم ان عبارة ((قد شغفها حبا)) أتت لتعليل و تبرير فعل امرأة العزيز؟! لا استطيع التفكير بهذا النحو! و اني لأستغفر ربي لي و لكم!
إذن هل كان حبها له ضلالا مبينا؟ هل أجرؤ ان اقول نعم! إذا كان ذلك الحب قادها إلى ما اعتزمت فعله.. أو لا يكون ضلالا؟
أحس أن الضلال و الحب من جنس نفسيهما، كلاهما أعمى. كلما أتمعن في التفكير أجد إعجازا من نوع ما!

قال الشعبي : ضلال مبين أي خطأ ظاهر، و قيل معناه أنها تركت ما يكون عليه أمثالها من العفاف و الستر.



لا أريد هنا أن آتي بشيء جديد أو فكرة جديدة، إنما أنا أفكر و أريدكم أن تفكروا، ولم آتيكم بآراء السلف و الخلف في مسألة الحب لأن معظمنا قد يعتقد انهم متشددون أو 'غير متحضرون'. قرأت ان الإمام الغزالي يقول أن الحب الذي نعرفه من قصص و روايات و أفلام انما هو ضرب من الشرك و الكفر بالله! و لكني أريد ان اتوصل إلى ذلك بعقلي.. حتى يطمئن إليه قلبي و يصدق به.

أحب أخيرا أن .. -بلاها الكلمة دي!- أتمنى أخيرا قبل أن نعتقد أننا ربما نحب شخصا أن نفكر في كل ما طرحت الآن.. أن يسأل كل منا نفسه، ما الذي افعله؟ هل أخالف شيئا؟ هل مطمئن انا لهذا؟ إلام سيقودني هذا؟ هل يعقل ان يكون كل هؤلاء الناس مخطئون بحق الحب وانا المصيب؟ هل هم مصيبون و أنا مخطيء؟ مالي أنا و للناس! أريدكم ان تتخبطوا في الافكار حتى تصلوا الى قناعة ترضي قلوبكم و عقولكم التي -متأكدة من أنها عقول نيرة لسيت على ضلالة و لا عمى. :)

والله تعالى أعلم

8/01/2012

Autumn Semester :D

 


حين انغمرت بالماء بسبب السيارة المسرعة التي دعست على بركة ماء منذ الصباح.. علمت انه سيكون يوما ...رررااائعا!
هه
كم اكره الخريف لأنه يذكرني بحكومتنا التي تهمل امر تصريف مياه الامطار !
"كدي دقيقة هي ما بهمها امر الشعب حيهتمو بالموية المدفقة في الواطة دي؟"

ضيعت ربع ساعة عشان ارجع و البس حاجة ناشفة و ربع ساعة تانية و انا مستنية خيال مواصلات الكوبري تجي! هه يعني عشان امس جات مطرة و اتبللينا لمن حسيت انو البيوت حتدوب طين.. يقوم بتاعين المواصلات يصرفو لي روحم اجازة؟ ما نقرا ولا شنو يعني..

أه.

خلاس ياخ حاركب امجاد.. و ما ان قفزت تلك الفكرة الالمعية في ذهني حتى اختفت كل الامجادات تماما.. هسي كانو بتجارو! استغفر الله العظيم يا ربي! انا متأكدة اني لمن رجعت البيت اغير كانو عاملين تجمع هنا!
واي انا!

و اتذكر فجأة حديث صديق كان يقول دائما ان ابتسم في وجه الصباح كل يوم و ان اتوهم ان هذا اليوم سيكون افضل ايام حياتي!
*و كأنو في موسيقى شغالة في الخلفية, و الدنيا بدا يتحول لونها للبمبي..و .......
بلا كلام فارغ عليك الله!*


فابدأ بالتبسم بقوة و احتفظ بالابتسامة حتى تستقر -اخيرا- اول امجاد زرقاء و يرمقني سائقها بنظرات تفحيصية ليتبين وضعي الاقتصادي و ربما الاجتماعي!
و ادعو انا ربي في تلك اللحظات ان ينزل على قلبه الرحمة و يرحمني من الارقام ذوات الخانتين!
"ماشة جامعة الخرطوم لو سمحت"
"لالا انا ما بمشي الجامعة." و فوووو يطير كأنو ما كان! بس الحمدلله انو بلّ مقدمة جزمتي بس!
اكورك "وما بتمشي الجامعة ليه؟ بتمشي هارفرد بس؟ أي نعم هي كريهة لكن اها نسوي..."
حينها تتنبه إلي سيدة "ملطوعة برضو" و تبدأ بالضحك و اقرب انا افلقا برزمة الشيتات الفي يدي! اللهم اني صائم!
...
و الوقت يأخذ في الضجر..
و يا قول صحبتي مخي من جوا عامل "شششششششش" زي ارسالنا الأرضي.. لحدي ما يخلعني عمو الامجاد الجاية, السمين ..
"خمصطاشر؟"
"يا بتي الدنيا ما رمضان..اتي عارفة لستك الامجاد بقى بي كم؟"
*الدنيا رمضان اتا دا والله!*
"بقى بي كم؟"
"والله من تزعين وصل ميه و ستين و ميه و تمنين.. !"

*ياخ انا مالي و مال جوز الكفرات بي كم*

"عاين كدي.. شكرا. انت بعيد والله"
"اها انت عايزة تمشي بي كم؟
*لو قلت ليو بي خمسة حيبللني قاصد!*
"لالا معليش ما شكلنا حنتفق"
....
و بعد تمنية دقايق جرجرة و الخوض في السياسة و الدين والاقتصاد و تعداد المجتمعات التحت خط الفقر و اسعار السكر... اخيرا رضى يوديني بي سبعه.. بالله شوف المفترين ديل..
"جامعة الخرطوم ما شاء الله.. ناس شاطرين"
قلت بدل ما يبدا يرغي و نقعد نقطع و ننبذ في الحكومة-اصلا دا مدخلم-.. احسن شي اقول ليو :
"آآ انا عندي ملحق اسي ماشة امتحنو"
و رأيت دهشته من خلال المرآة الامامية.. و قعدت انا اضحك من جوا
"عادي يا بتي الملاحق دي ياما شلنا ملاحق ايام الجامعة"
و يسود الصمت و الحمد لله و ارقب انا اعمدة الكهرباءو المباني و السيارات المجاورة و هي تهرول على عجل..
و حينما وصلت اسوار الجامعة بدأت اتخيل في الامتحان..
و استرجع المليون كلمة الحفظتهم امس.. و يعيق افكاري دائما ما علق بجدران الجامعة الداخلية..
حركة الطلاب الاسلاميين الما بعرف شنو.. المستقلين.. الاصلااااح لــ..
آآه اختفو ياخي خلوني اعرف اراجع حاجة..
و ما ان وصلت باب القاعة.. وضعت حقيبتي على الارض.. و نظرت الى عمو نور الدايم و هو يبتسم و بكشكش في كم مفتاح..
"انتي...؟"
"آي انا..."
و يبدا يحك راسو.. مااا قعد اتطمن لمن يعمل كدا..
"والله بسبب مطرة امبارح دي الموية قفلت كم حلة كدا و منهم الحتة الساكنة فيها المسجلة و اللي هي الوحيدة المعاها مفتاح المكتب الفيهو ورق الامتحان..فاتأجل لحدي ما الله يفرجا"
.
.
.
.
.
اللهم اني صائم, اللهم اني صائم, اللهم اننني صاااائم

4/28/2012

بياض الثلج و الأقزام السبعة !

حين يسيطر الخواء على جانب من عقولنا، و يستقر الهراء المتضخم بالكثير من الجوانب و نوقن ان تصاريف الحياة تنتقص لشيء ما.. شيء لا نعرفه و لم نطله لصغر تلك العقول و لبراءة المواقف و سذاجة الذكريات.

حين تتغير مناظيرنا كل يوم بسرعة كبيرة، و حين نشعر بالوحدة وسط الجموع، و نتذوق مرارة الغربة و اضطهاديات التعصبات العرقية و اللونية.. حين نتعرض للشرخ بكينونتنا منذ فجر أعمارنا و حين لا يكون لنا سلاح غير.. العلم.
كل ذلك و اكثر كان ما مرت به الصغيرة سارة ذات الست سنوات.. ست شتاءات بأوكرانيا القاسية و الجميلة بذات الوقت؛ و بضع ربيعات واعدة. سارة الطفلة القادمة من بلد بعيد للبحث عن المعرفة. و عوضا عن المعرفة وجدت حضارة بكل جمالياتها و آلامها.

مثلما يهتم اقرانها بدروس الموسيقى و الحلوى و انتظار الربيع، كانت سارة تمرر بصرها كل يوم على وجوه طلاب مدرستها كالباحثة عن أجوبة لتساؤلات تعصف بجسدها الصغير.
حين انتقلت صديقتها المقربة 'جمال' الى غير بلد لم تحزن، و حين أكل زكريا قلمها المفضل لم تحزن، و حين عيرتها مي ابنة المدير البدينة بلونها... لم تحزن! كانت تؤمن ان كل ذلك جزء من مجاراة المقادير، فبلحظ سارة.. أشعة حياة!

و ذات يوم صغير بحياة سارة، عزمت مؤانسة ميادة بنت الصف الثالث الوحيدة في احدى الفرص. كانت لا تدري اذا ما كانت ميادة تستأنس بها ام تستغل عفويتها، و لم يهمها الأمر حينها كثيرا.

دخلت الصف الثالث الخاوي الا من ميادة و بعض من خرائط ماء على اللوح الأسود الضارب للخضرة.. اقتربت منها و اقتسما جرعة ذاك اليوم من الغذاء.
حين استقرت آخر قطعة خبز بفمها الصغير و مع تنهدة فرح بانتهاء هذه 'المهمة' وقع بصرها على شيء .. حدث.. شخص.. طالب جديد.. طالب جديد بالصف. هكذا توالت الافكار بذهنها..
و لأول مرة بحياتها القصيرة جدا شعرت سارة بعاطفة غريبة أيقظتها خرائب الهيكل! من هذا الشيء المرسل من السماء .. وما هذا الشعور الذي انعكف على جميع حواسها كما تنعكف أصابع الموسيقى على أوتار ربابة!
لم تتعرف على ذاتها التي بين جنبيها.. ''يا ترى من هذه الذات الجديدة الغريبة عني؟ و ما هذا النور الذي كأنه عاد الى عيني ضرير غدا يرى و يتأمل و يفكر!''
ايقظت ميادة من لقمتها و همست لها همس الخائفين : ماذا تعرفين عن الحب ؟
كعادتها ميادة حين تسألها سارة شيئا عن الحياة تغمرها لذة العالم و فخر رفيع المقام :
- لم يمر علي الحب في تسعة اعوامي الماضية من حياتي و لكني قرأته في قصة بياض الثلج و الأقزام السبعة. (و بكل ثقة :) الحب هو ان تبتسمين بوجود من تحبين.

اي تبسم و اي فرح! انما هي ابتسامة لو تركت وشأنها لتصاعدت و انسكبت دموع فرح، او نزفت فوج عواطف او خرجت ألفاظا هي كالزهور الزكية.

سارة الفتاة الصغيرة التي زارها الحب يوما و لم تكن قد سمحت لها الحياة ان تتعرفه.
مع الأيام قررت سارة ان تتحدث مع هذا الذي هز وجدانها ، هل يجيد لغات البشر كما الشخوص العاديون؟ ام اي لغة تستخدم..

و كانت ميادة ملاذها دائما، و يومها عرفت ان اسمه عدنان، لم يكن الاسم الذي قررته له بينها و بين نفسها و لكنها اطمأنت لكونه اسما يطلق على بشر.
-ميادة سأخبرك امرا ارجو ان يبقى سرا بيننا.
-سيبقى سرا عزيزتي سارة.
-اعتقد اني احب عدنانا
-و ما تعرفين عن الحب؟
-الحب ان تتبسمين بحضور من تحبين
حينها وضعت ميادة ما تحمله جانبا كي تحيل يدها و تضعها على رأسها هلعا و تهويلا
-تحبينه؟
-هذا ما استنتجته من قصة بياض الثلج و الأقزام السبعة التي اعرتنيها الاسبوع الفائت
-كان يجب الا اعيرك اياها
-و لماذا تقولين هذا؟
-اذا كنت تحبينه فكيف ستتزوجينه بالله عليك؟
-لا ادري، هذه مشكلتي الوحيدة و لكني لم اعرها تفكيرا طويلا
-ماذا عن جنسيتيكما المختلفة عن الأخرى

هنا صمتت الصغيرة سارة. ظنت ان لونها و جنسيتها يحرمان عليها ان تحب خارج الحدود.
ثم نظرت مطولا الى ميادة و همت بالتحدث الى ان دخل عدنان بشخصه الصف الثالث و نظر اليهما بسرعة خاطفة و القى تحية باهتة على زميلته بالصف.. قيل انه لم يكن يستلطف طلاب الصف الاول صف سارة، يا له من امر عظيم و جلل! (هنا احست سارة بعظم مهمتها!)
...

حين غادر الصف كانت كمن غيرت ما اعتزمته اولا، و بصوت لا يميزه عن التنهد غير رنات الألفاظ قالت لميادة :
لا بد ان يتواجد قانون يسمح بالحب خارج الحدود.
وتركت الصف الثالث بعينين امتلئتا بالدمع الأليم.



حين نحب بعمر الزهور، فلا نتوقع ان يرضخ الحب لشروط دنيوية حقيرة و سطحية. فنصطدم بواقع هو قاس على عضلات قلوبنا. و لكن عزائنا ان ذلك الحب يكون حبا طاهرا خاليا من الأسباب. لم تدنسه ظروف الراشدين.
ذلك الحب الذي يبيح مكنونات النفس للنفس و يفصل بتفاعيله بين العقل و عالم المقاييس و المادة.


*و لم تدر سارة -و الى الآن- اذا ما كانت تجرعت ترياق العفة فصارت ملاكا تري و تسمع خفايا الأسرار أم هي وساوس أخذت بها فتعاميت عن أصول المعقولات*.